Wednesday, April 4, 2007,4:59 AM
علبة ألوان




أحيانا نصنع أشياء صغيرة دون أن نقصد .., ولكنها تتسبب فى إسعاد الكثيرين ..لنكتشف فى النهاية أنها أسعدتنا
نحن أيضا
.
.

اسمها مريم .., اسم مناسب تماما ًً لهذا الكيان الرائع الهش ..عصفور صغير يطل على عالمى من حين لآخر .. ليجعل حياتى أفضل
.
طفلة هى فى عامها الدراسى الأول ..حين تراها تعتقد أنها لم تدخل الحضانة بعد ..صغيرة الحجم .., دقيقة الملامح ..تذكرك بالعرائس الصغيرة
.
تربطها بى صلة قرابة , وتعيش فى المنزل المقابل .., أراها حين تأتى للعب مع أختى الصغيرة ..التى تكبرها بعامين
.
أعود من الكلية متعبا ً .., أغير ملابسى .., تأتى مريم تأتى مريم لتسأل على أختى .., لا تجدها .., فنجلس لنتحدث سويا فى حجرتى .., تبدو كالكبار حين تتحدث
.
تشكو لى صعوبة المدرسة وكثرة الواجبات .., أشكو لها صعوبة الكلية والامتحانات .. تحدثنى عن أصدقائها .., وأحدثها عن أصدقائى
.
تنظر إلى أقلامى الفسفورية الملونة بإعجاب .. ثم تسألنى :
أنت بتحب الرسم ؟؟
أجيبها : آه طبعا بحبه .., بس الأقلام دى بتاعة المذاكرة يا حبيبتى
تنظر إلى الاقلام مرة أخرى ثم تقول : أنا كمان بحب الرسم أوى
.
أشعر برغبتها الشديدة فى امتلاك احدى هذه الأقلام .., ولكنها لا تريد أن تطلبها منى .., أفكر فى اعطائها لونا ً .., ولكن .. تنبعث بداخلى روح الشقاوة الطفولية , وأقرر ملاعبتها قليلا ً
.
أقول لها :
أنا معايا حاجة وعايز أديهالك
تقول ببهجة : إيه .. قلم ملون .. صح ؟
.
أبتسم .., ثم أخرج من جيبى علبة نعناع وأعطيها إياها .., تفرح بها .. ثم تتذكر الألوان .. فتنظر الى الاقلام مرة أخرى وتقول بشقاوة :
أنا زهقت من المذاكرة بقى وعايزة أرسم شوية
أخبرها : إيه رأيك .. كل يوم قبل متنامى ترسمى رسمة وتجيبيهالى تانى يوم أشوفها ؟
ترد بسرعة : مااااااشى .. ثم تكمل بخيبة أمل : بس أنا معنديش ألوان
تنظر للألوان مرة اخرى وتقول بخبث محبب : هعمل إيه بقى ؟؟
.
أضحك على الرغم منى ولا أستطيع اكمال شقاوتى .. ثم اخبرها : خدى اللون اللى انتى عايزاه
تأخذ اللون الأزرق .. ثم تذهب سعيدة
.
*****************

.
أصحو من النوم .., أنظر إلى المكتب لأجد ورقة صغيرة .. , وزهرة زرقاء مرسومة عليها
مكتوب تحتها بخط طفولى جميل ..
مريم
.
تفرحنى كثيرا ً الرسمة .., ولكن ما يسعدنى اكثر هو احترامها للاتفاق .., فقد نفذت ما اتفقنا عليه .., واعطتنى ما رسمت هدية .., لن أكون مبالغا ً اذا قلت أننى اعتبرتها أفضل هدية جاءتنى على الإطلاق
.
يأتى المساء .., أنظر إلى اختى الصغيرة .., أجدها تذاكر .., ما الذى جناه هؤلاء الصغار لكى يشقوا بالمذاكرة فى هذا العمر ؟؟
.
أناديها :
سيبى اللى فى إيدك وتعالى يا نورا عايزك
ترد : بس أنا ورايا مذاكرة يا أحمد
أقول : علشان خاطرى تعالى بس .., انتى متعبتيش من المذاكرة يا حبى
تأتى ونجلس سويا فى حجرتى .., أقول لها : إيه رأيك تبطلى مذاكرة شوية .. وترسمى
ترد بفرحة : يا سلام .. انت بتتكلم جد .., أنا بحب الرسم أوى .., بس مبلحقش أرسم .., الواجبات كتير
أقول : أيوة بتكلم جد .. عايزك كل يوم قبل متنامى .. ترسمى .., شايفة الألوان دى ؟ .. خديلك قلم
تأخذ اللون الأخضر .., وعلبة النعناع .. ثم تذهب سعيدة .. وتبدأ فى الرسم
تنام وعلى وجهها ابتسامة لم أرها منذ وقت طويل
.
أصحو من النوم .., أسرع إلى المكتب فى لهفة .. لأجد رسمتين .. واحدة من مريم والأخرى من أختى
.
ترسم أختى رسمتى التى كنت أعشقها وأنا صغير .., البنت التى تلعب فى الحديقة .., حول الاشجار .. الشمس الضاحكة فى السماء .. والبلابل تطير وتغنى .. نفس الرسمة التى طالما عشقتها .., وكنت وما زلت أعتقد .. أنها الصورة المثالية للجنة
.
حين أتخيل الجنة .., وكيف ستبدو .. تأتى هذه الصورة فى ذهنى على الفور .. بخطوطها الطفولية .. , وبشمسها الضاحكة .. , وبطيورها المغردة
.
.

********************
.
.
أعلق لوح
الرسامين الصغار فوق جدار حجرتى
كلما نظرت إلى ما صنعت يداهم .. أعود على الفور إلى طفولتى .., تيار جارف من الحنين أشعر به .., يغمرنى ويعطينى الامل فى اكمال حياتى
.
تأتى لى طفلة أخرى من شارعنا الصغير .. انها ندى .. تسألنى بحرج : عمو .. مريم ونورا قالولى انك بتخليهم يرسمو .. أنا رسمت رسمة وعايزة أجيبهالك .. ممكن ؟
.
أرد بسعادة غامرة :
طبعا يا حبيبتى هاتيها .., وقولى لصحابك كمان
وقبل ان تذهب .. , أعطيها لونا ً اخر من ألوانى .., وعلبة النعناع المفضلة
وتزداد الرسوم المعلقة فى حجرتى
.
يخبر الأطفال بعضهم بمشروعى الصغير .. جنة الألوان .., يأتى الجميع للإنضمام الينا
ربما كانو سعداء بالالوان أو بعلب النعناع التى أعطيها لهم .., وربما كانو يحتاجون فعلا الى من يشعرهم بأن ما تصنع أيديهم يلقى الاهتمام
.
تتحول جدران حجرتى إلى معرض لابداعاتهم .., وتتحول جدران قلبى إلى علبة ألوان كبيرة تنبض ببهجتهم .., ونقرر أن نرسم سويا ً ابتسامة كبيرة نحمى بها طفولتنا وأطياف بهجتنا الملونة
.
.
 
posted by zordeak
Permalink ¤